قرأت..وَ..كتبت

تصبو لكل جميل..
يأسرها الصوت ,
تفتنها الصورة,
تغرمها الكتب ,

تصرع الطب ويصرعها
والحرب بينهما سجال

وقبل ذلك وفوقه
تُحِبُ الله..



يأتي هذا الكتاب ضمن سلسلة الاعتراف بمكانة الطبيب المسلم علاء الدين علي بن النفيس مفخرة الطب العربي

وابن النفيس هو الشيخ , الطبيب , والفقيه الشافعي : علاء الدين بن أبي الحزم

تتلمذ هو وزميله ابن أبي صيبعة على يد الدَّخوار


ويذكر المؤرخون أنه : لم يكن في الطب على وجه الأرض مثله,ولا جاء بعد ابن سينا مثله, وكان في العلاج أعظم من ابن سينا

وذُكِر عنه :( كانت توضع له الأقلام مبريّة, ويدير وجهه إلى الحائط, ويـأخذ في التصنيف إملاءً من خاطره, ويكتب مثل السيل إذا انحدر , فإذا كلّ القلم وحفى, رمى به وتناول غيره , لئلا يضيع عليه الزمان في بري القلم ! )

ورُوى عنه أنه قال ( لو لم أعلم أنها تبقى بعدي عشرة الاف سنة ما وضعتها )

ويقول بعض معاصريه في رثائه :

ومُسائلي هل عالمٌ أو فاضلٌ —-أو ذو محل في العُلى بعد العَلا
فأجبت والنيران تَضرِم في الحَشا—-أقصِر فمذ مات العَلا مات العُلا

من مؤلفاته:
الشامل وهو كتاب موسوعي في الطب.
الموجز ذكر فيه بإيجاز ماذكره ابن سينا في كتابه القانون ماعدا موضوعات التشريح
المُُهذّب وهو كتاب في الكحالة (طب العيون)
شرح تشريح القانون وهو الكتاب الذي سجَل فيه اكتشافه للدورة الدموية الرئوية
مقالة في النبض
شرح المسائل وهو شرح لكتاب حنين ابن إسحاق العبادي
شرح كتاب إبيديميا
الرسالة الكاملية وهي نفسها (فاضل بن ناطق) المعارضة لحي بن يقظان
طريق الفصاحة وهو كتاب في النحو
شرح التنبيه وهو في فروع الفقه الشافعي
شرح الهداية وهو شرح لكتاب ابن سينا في المنطق
شرح الإشارات
رسالة في أوجاع الأطفال
ويقول المؤلف : أصدرت أربعة كتب لابن النفيس غير كتاب شرح الفصول :
رسالة الأعضاء , المختصر في أصول علم الحديث , المختار من الأغذية , وموسوعة الشامل ( جاءت في ثلاثين جزءاً , يقارب مجموع صفحاتها ثمانية الاف صفحة )

عن فصول أبقراط :
كتاب الفصول هو أحد الاثني عشر كتاباً الأبقراطية(كتاب الأجنة- كتاب الأهوية والمياه والبلدان-تقدمة المعرفة-الأمراض الحادة-أوجاع النساء-الأمراض الوافدة-الغذاء-الكسر والجبر-طبيعة الإنسان-حانوت الطبيب) التي كانت مقرراً لدراسة الطب طيلة تاريخ الحضارة العربية الإسلامية

وهي أشهر ما كتب أبقراط والأثر الأبقراطي الوحيد الذي ينافسه في ذلك هو قسم أبقراط (التي عرفها المسلمون بعد ترجمة حبيش الأعسم)

والفصول هي عبارة عن حكم طبية موجزة أودع فيها خلاصة تجاربه وخبراته وملاحظاته الطبية وكان هذا الشكل الموجز أمراً مستحسناً عند اليونان فقد كانوا يرون في الإيجاز الموحي صفة من صفات الحكمة

كتب هذه الحكم في سبع مقالات وقد وضع ابن النفيس الشرح على هذه الفصول ولا يخلو هذا الشرح من وقفات نقدية وجهها ابن النفيس لأبقراط .

يستفتح أبقراط الفصول بقوله : العمر قصير, والصناعة (يقصد الطب) طويلة , والوقت ضيق , والتجربة خطر, والقضاء عسر..وقد ينبغي لك أن لاتقتصر على توخي فعل ماينبغي, دون أن يكون مايفعله المريض ومن يحضره كذلك , والأشياء التي من خارج.

أما خطر التجربة : فلشدة قبول الأبدان للفساد والتجربة هي تحقيق دلالة القياس (يقصد تجربة الدواء وما إلى ذلك)

وأما عُسر القضاء : الحكم على المريض بما يؤول إليه أمره من صحة أوعطب (أعتقد قصد الprognosis)

وقيل هذا التقديم يقصد به المشورة فقد جرت العادة في أوائل الكتب أن تُمدح الصناعة ويُرغب بها وكلام أبقراط ينافي ذلك وكأنه أراد الصد عن تعليم الطب …

وقيل: بل إقامة عذرة في تصنيف الكتب , لأن عمر الإنسان لا يفي بابتداع الصناعة الطويلة

وقيل: بل إقامة عذر الطبيب إذا أخطأ , وقيل : بل يحث المتعلم ,وقيل : ليمتحن همة الطالب




من باقي الفصول :

قال أبقراط: إذا كان للحمى أدوار , فامنع من الغذاء أيضاً في أوقات نوائبها
(الأمراض ذات النوائب, منها مايتعذر الغذاء في وقت نوائبها (كالصرع) ومنها مايجب استعماله فيها. كما إذا كانت الحمى مركبة من حميات , بحيث كانت نوائبها تتوالى متعاقبة , فلا يكون لها راحة البتة , فهناك لا يُستعمل الغذاء إلا في النوبة الأخف, فإن تساوى الكل , ففي أبرد أوقات النهار)

قال أبقراط: الأورام الرخوة محمودة, والصلبة مذمومة
(والرخو محمود لأن مادته متفرقه فيكون أقبل للتحلل, والصلب مذموم لتعسر تحلله, خاصة إذا كان له غلاف)
قال أبقراط: إنما ينبغي أن يستعمل الدواء والتحريك بعد أن ينضج المرض, فأما مادام المرض نيئاً, أو في أول الأمر, فلاينبغي أن يستعمل ذلك , إلا أن يكون المرض مهياجاً .

قال أبقراط : الأبدان التي تهزل في زمان طويل, فينبغي أن تكون إعادتها بالتغذية إلى الخصب بتمهل, والأبدان التي ضمرت في زمان يسير, ففي زمان يسير تخصب.


قال أبقراط: متى كانت المرأة حاملاً وبدنها معتدلاً وتسقط في الشهر الثاني والثالث من غير سبب بيّن, فقعر الرحم منها مملوء مخالطاً, فلا تقدر على ضبط الطفل لكنه ينهتك منها

و إذا كانت المرأة على حالة خارجة من السمن فلم تحمل فذلك يعود لعلة المائية في الرحم التي تحول دون ذلك , فليس تحبل دون أن تهزل

وقال: ينبغي أن تسقي الحامل الدواء إذا كانت الأخلاط في بدنها هائجة, منذ أن يأتي على الجنين أربعة أشهر, وإلى أن يأتي عليه سبعة أشهر,ويكون التقدم على هذا أقل,وأما ماكان أصغر من ذلك , وأكبر منه فينبغي أن يتوقى عليه
( أما في الأول فلأن التعلق بالرحم لم يكن استحكم بعد ,وأما بعد الاستكمال فيكون قد ثقل فلا حاجة للخوف عليه من الإسقاط أو التأثير عليه بذلك)


قال أبقراط : الصَُلعُ لا يعرض لهم من العروق التي تتسع (التي تعرف بالدوالي شيءٌ كثير, ومن عرض له من الصلع ذلك عاد شعر رأسه )

(أكثر حدوث الصلع عن يبوسة وجفاف وذلك ينافي حدوث الدوالي لإنها إنما تحدث عن رطوبة تملأ العروق ملئاً ,وقد يحدث الصلع عن طوبة فاسدة تفسد المنبت وفي هؤلاء قد تحدث الدوالي ولكن إذا حدث عاد شعر الرأس لاندفاع تلك الرطوبة فزال الصلع, فحاصله أن الصلع والدوالي لا يجتمعان)



أعجبني تنويه في بداية الكتاب عن تاريخ الطب لدى العرب قبل الإسلام
بخلاف ماهو معروف لدى الكثير من المترجمين والمستشرقين ومنهم بروكلمان الذي يقول:( ساد الشعور طويلاً بأن الطب علم أجنبي حتى بعد استقراره في العراق,ومن ثم كان عامة الناس ينصرفون عن الأطباء المسلمين)

رغم هذا التقرير الذي كان مُسلَّمة في تاريخ الطب العربي والإسلامي
فقد عرف العرب قبل الإسلام الطب بل وعرفوا الجراحة أيضاً فقد كانت باليمن مدرسة طبية لها فلسفتها المستقلة
كما عُرف من العرب أطباء مشاهير كالحارث بن كلدة الثقفي وقوله المشهور(البطنة بيت الداء,والحمية رأس الدواء)
ومن معاصري الحارث الطبيب العربي ابن أبي رمثة التميمي الذي يعتبر من أوائل الجراحين العرب
( ففي غزو صخر أخو الخنساء أصابته طعنة دخل بسببها حلق من الدرع في صدر صخر, فأصابه مايسمى الورم الناتج عن دخول جسم غريب foreign body reaction
فقاموا بإجراء جراحة له واستُخرج حلق الدرع من صدره ,وتمت بنجاح . وصخر مات بعد ذلك بمدة )

أعجبني الكتاب بشكل عام وأنا أقرأ كنت أندهش من طريقة تفكير أبقراط ومن شرح ابن النفيس, أفكر في دور الترجمة, وإنجازات المسلمين وحرصهم على حفظ العلوم

  1. nanw12 reblogged this from alanoud87
  2. alanoud87 posted this